أبي هلال العسكري
70
الصناعتين ، الكتابة والشعر
فيساهل نفسه في تهجين « 1 » . صورته ؛ فيذهب حسنه ويطمس نوره ، ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد . والمعاني بعد ذلك على وجوه : منها ما هو مستقيم حسن ، نحو قولك : قد رأيت زيدا . ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك : قد زيدا رأيت . وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير . ومنها ما هو مستقيم النظم ، وهو كذب ؛ مثل قولك : حملت الجبل ، وشربت ماء البحر . ومنها ما هو محال ، كقولك : آتيك أمس وأتيتك غدا . وكلّ محال فاسد ، وليس كلّ فاسد محالا ؛ ألا ترى أن قولك : قام زيد فاسد ، وليس بمحال . والمحال ما لا يجوز كونه البتة ، كقولك : الدنيا في بيضة . وأما قولك : حملت الجبل وأشباهه فكذب ، وليس بمحال ، إن جاز أن يزيد اللّه في قدرتك فتحمله . ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذبا محالا ؛ وهو قولك : رأيت قائما قاعدا ، ومررت بيقظان نائم ؛ فتصل كذبا بمحال ، فصار الذي هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما ، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حياله ؛ وذلك لمّا عقد بعضها ببعض حتى صارا كلاما واحدا . ومنها الغلط ، وهو أن تقول : ضربني زيد ، وأنت تريد ضربت زيدا ، فغلطت ، فإن تعمّدت ذلك كان كذبا . وللخطأ صور مختلفة نبّهت على أشياء منها في هذا الفصل ، وبيّنت وجوهها ، وشرحت أبوابها لتقف عليها فتجتنبها ، كما عرفتك مواقع الصواب فتعتمدها ، وليكون فيما أوردت دلالة على أمثاله ممّا تركت ؛ ومن لا يعرف الخطأ كان جديرا بالوقوع فيه . فمن ذلك قول امرئ القيس « 2 » :
--> ( 1 ) التهجين : التقبيح . ( 2 ) ديوانه : 128 .